الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

352

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مسعود مقتضيا أن مثله من أولئك الذين ذكرهم اللّه بهذه الآية ولكنه يخشى أن يكون منهم حذرا وحيطة . فالمراد بالذين آمنوا المؤمنون حقا لا من يظهرون الإيمان من المنافقين إذ لم يكن في المسلمين بمكة منافقون ولا كان داع إلى نفاق بعضهم . وعن ابن مسعود « لما نزلت جعل بعضنا ينظر إلى بعض ونقول : ما أحدثنا » . وإما أن يكون تحريضا للمؤمنين على مراقبة ذلك والحذر من التقصير . والهمزة في أَ لَمْ يَأْنِ للاستفهام وهو استفهام مستعمل في الإنكار ، أي إنكار نفي اقتراب وقت فاعل الفعل . ويجوز أن يكون الاستفهام للتقرير على النفي ، وفعل يَأْنِ مشتق من اسم جامد وهو الإنى بفتح الهمزة وكسرها ، أي الوقت قال تعالى : غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [ الأحزاب : 53 ] . وقريب من قوله : أَ لَمْ يَأْنِ قولهم : أما آن لك أن تفعل ، مثل ما ورد في حديث إسلام عمر بن الخطاب من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم له « أما آن لك يا ابن الخطاب أن تسلم » و في خبر إسلام أبي ذر من أن علي بن أبي طالب وجده في المسجد الحرام وأراد أن يضيفه وقال له : « أما آن للرجل أن يعرف منزله » يريد : أن يعرف منزلي الذي هو كمنزله . وهذا تلطف في عرض الاستضافة ، إلا أن فعل يَأْنِ مشتق من الإنى وهو فعل منقوص آخره ألف . وفعل : آن مشتق من الأين وهو الحين وهو فعل أجوف آخره نون . فأصل : أنى أني وأصل آن : آون وآل معنى الكلمتين واحد . واللام للعلة ، أي ألم يأن لأجل الذين آمنوا الخشوع ، أي ألم يحقّ حضوره لأجلهم . و أَنْ تَخْشَعَ فاعل يَأْنِ ، والخشوع : الاستكانة والتذلل . و لِذِكْرِ اللَّهِ ما يذكرهم به النبي صلى اللّه عليه وسلم أو هو الصلاة . و ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ القرآن ، قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : 2 ] . ويجوز أن يكون الوصفان للقرآن تشريفا له بأنه ذكر اللّه وتعريفا لنفعه بأنه نزل من عند اللّه ، وأنه الحق ، فيكون قوله : وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ عطف وصف آخر للقرآن مثل قول الشاعر أنشده في « الكشاف » :